عني

مساحة صغيرة عن الكاتب، لا عن سيرته العملية.

فراس بني هاني

عبرتُ مرحلة الصبا في سبعينيات القرن الماضي وليس في أرشيف ذاكرتي صورة أجلى من أبي المشغوف بجلب الكتب والمصنفات بشتى مواضيعها، حتى صار في بيتنا مكتبة عريضة تقبع بشكل عشوائي في أركان المنزل وزواياه، تمددت على حساب أناقته وترتيبه، فقرأت في صغري كتباً كانت كبيرة على من هو في سني كموسوعة "المعرفة" التي ناهزت خمس آلاف صفحة، رجعت إليها مئات -بل آلاف- المرات، حتى خُيّل إلي أنني حفظتها عن ظهر قلب بالموضوع والصفحة والفقرة!
قرأت مواضيع أكبر من عقلي آنذاك كالشعر الجاهلي لطه حسين، ناهيك عن شعر أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وروايات نجيب محفوظ ثرثرة فوق النيل واللص والكلاب وأولاد حارتنا، ومعلقات عنترة وطرفة وامرؤ القيس وعمرو بن كلثوم وزهير، وحفظت مئات من أبيات المتنبي والمعري وبشار وأبو نواس والفرزدق وجرير، وقرأت لأبي حيان والغزالي وابن رشد.

انطلاقاً من العقد الثاني من العمر مررت على دواوين وأعمال كالمتنبي ودنقل وسرور ونزار، وكتب كثيرة ما يزال أثر حبرها في بواطن النفس والوجدان كجمهرة الأنساب وجمهرة الأشعار، والحصاد المر لسامي هداوي، ورائعة غوستاف لوبون سيكولوجيا الجماهير، وتكوين العقل العربي ونقد العقل العربي للجابري، ومفهوم الايديولوجيا للعروي، وصراع الحضارات لهنتنجتون، وعن طريق الخداع لاوستروفسكي، ووحي القلم للرافعي، وأحجار على رقعة الشطرنج لوليام كار، حتى حطت بي الرحال في الخمس عشرة عاماً الأخيرة في واحة القرآن المجيد سيد السادات وكريم الكتب ومنتهى المعارف، وكتب السنن وشروحها كفتح الباري والمصنف لابن أبي شيبة والتفاسير والقراءات والسير والمغازي كالإصابة لابن حجر والسيرة لابن اسحق والبداية والنهاية لابن كثير وسير أعلام النبلاء والطبقات الكبرى.

أمضيت مرحلة من العمر في مطالعة كتابات لأدباء غربيين كهوجو وهمنجواي وميكافيل، وعرجت على قراءة الفلسفة منذ زمن سقراط وأفلاطون وأرسطو وصولا إلى رسائل إخوان الصفا وابن سينا والفارابي مروراً بتهافت ابن رشد والغزالي وديكارت، حتى لم تنج كتابات المتصوفين كالحلاج وابن عربي من فضولي حولهم.
وأنفقت وقتي بين الكتب من كل الأصناف، فقرأت عن الفلسفة والدين والتاريخ والسياسة والرياضة والصناعة والشعر والموسيقى والرسم والخط مروراً بالماورائيات والأبراج والألغاز، فشكلت تلك القراءات تصوراتي عن الحق والباطل، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة، وجبلة البشر وحقيقة الإنسان، منذ عهده الأول الذي اكتشف فيه النار وطوع الحديد وامتهن الصيد، فمنهم من أكلته الوحوش أو فقد إلى الأبد بين الثلوج أو سقط من أعالي المرتفعات، وصولاً إلى الإنسان الذي رعى الأنعام وروض الجوارح واشتغل بالفلاحة حتى انتهى به المطاف إلى التحضر والمدنية.

أدركت بعد هذا العمر أن الإنسان من أعجب عجائب خلق الله، إذ أعطاه خصالاً ومقومات لم تعط لغيره من الخلق بمن فيهم الملائكة المقربين، ولهذا لما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم "وقعوا" سجداً، أي لم يترددوا لحظة بتنفيذ الأمر، رغم يقينهم بأن السجود لغير الله مسألة غير معقولة حسب إدراكهم وفطرتهم التي جبلوا عليها، لكن أمر الله لم يأت إلا لمراد في نفسه، وعلمه الكامل بما وضع في هذا المخلوق من أسرار مستمدة من روحه المجيدة، وهذه العطايا حملت معها مسؤوليات عظام ومآلات أعظم، وسينتهي الحال بالإنسان ذات يوم لأحد مصيرين، كلنا يرجو أحسنهما وهو الخلود بالنعيم،

من يمتطي صهوة الأسئلة ينتهي به المطاف بالأجوبة،
ثم تعود الإجابات فتفتح أبواباً لأسئلة جديدة.