أبي طود من جيل الجبابرة، أكرمه الله بساعد لا يلين وعزم لا يفتر وتفاني يثير الدهشة. له قلب فيه متسع للجميع ولا يعرف المستحيل، فأي شيء في نظره "ممكن" وكأنه خُلِقَ من حديد. ها هو في عقده التاسع من عمره المبارك، وما يزال يجد راحته بالصحو مع آخر خيوط الليل وأول مشاعل الفجر، يواصل الرحلة وينازل الأيام، ويغرس الفسيلة تلو الأخرى، مثلما تعّود غرس الفضيلة وصناعة الرجال. كيف لا وقد وطّن نفسه على العطاء حتى لم يعد يتقن شيئاً سواه. أبي، وهل في الدنيا مثل أبي؟ فهو الذي ذكرني الله بقدره عندي إذ قال "فاذكروا الله كذكركم آباءكم"

صحيح أن خطوته اليوم ثقيلة، ولكنها عندي بمسيرة مائة عام.. وقبضته صارت ضعيفة، ولكنها عندي بصلابة الأهرام.. تكفلت به الأيام فصاغته كما يصاغ الذهب وشكّلته كما يتشكل الماس .. أبي، وليس في دنياي مثل أبي عسى كل عام وكل يوم وكل حين أن تبقى بخير .. أبي، صباحك سعيد ومساؤك سرور ..