ما زلت أذكرها وكأنها حدثت بالأمس، وأذكر شخوصها بأسمائهم. كنت حينها في الصف السادس الابتدائي. كان أستاذ الرياضيات جهوري الصوت، حاد الطبع جداً، مغضباً طول الوقت، وكان رديء التعامل، أقرب لسائس البعير منه للمعلم المربي. افتقر لرحابة الصدر. لم يكن لديه هامش لنا كأطفال، وكأنه دفن مشاعره في زنزانة وأوصد بابها. كان شاباً طِوالاً، وكذلك كانت عصاه القاسية اللئيمة المنتقاة من الخيزران، وكنا نرتجف حين يثور كالبركان، ويتحجّر عقل الذكي فينا من الخوف. كان من عادته ضرب كتبنا ودفاترنا بعصاه، فتتكسر على صوتها نفوس النجباء قبل الكسالى.

كنت أرتجف رعباً من نوبات هياجه، رغم أن التزامي بفروضي وعلاماتي كانتا الفيصل بيني وبينه، فلم يمد يده أو عصاه تجاهي يوماً. كنت أتوسل إلى الله أن يمرض فيغيب عن الدوام، أو أن يموت فيغيب أبداً. كنت أشعر بقدومه قبل أن يدخل غرفة الصف، وكان ذلك مما ساهم بتطوير الحاسّة السادسة عندي. كان الصفّ معتماً وقت حصته، وكرهت مادة الرياضيات بسببه. تمنيت لو أن قوة ما تتدخل فتنفيه من دنيا التعليم. كل ذلك ظل هواجساً حبيسة الوجدان ومخاوف طفل لا يتقن البوح بها. ذات مرة، سأل سؤالاً حسابياً، وأذكر أن الجواب كان 200، فرفع أغلب التلاميذ أصابعهم، لكنه كان كالذئب، ينشد الضعفاء ويتصيد المخطئين، وكأنه يبحث عن مبرر لتليين عصاه فيعمد إلى أحد الذين لم يرفعوا أصابعهم فيشير له من مكانه بالعصا لكي يجيب، فنراها ثعباناً ملتهباً فوق رؤوسنا حنى نكاد نسمع لها حسيسا.

أشار لتلميذ في المقاعد الخلفية بالإجابة، وكان فتىً خجولاً يتكلم بلكنة قروية، فقال: "ميتينه" فقال الأستاذ: وليش مش رافع اصبعك؟ بعدين شو قلت؟ فرد الفتى: "ميتينه" (بلهجة قريته التي لا يتقن سواها) فقال الاستاذ: قول "ميتين" فقال الفتى: "ميتينه" (حتى أن لسانه تعثر بآخر الكلمة حينما حاول التوقف عند النون الأخيرة، إلا أن عفوية اللهجة طغت فأكمل الهاء: "ميتينه") لحظتها قرر الأستاذ تأديبه، فتوجه نحوه وأمره بمد يده. ضربه وكرر عليه الأمر: قول ميتين، فقال الفتى "ميتينه" ثم ضربه مجدداً، وقال له: قول "ميتين"، فقال: "ميتينه".. استمر الحال على نفس المنوال لدقيقة أو أكثر، تلقّى الفتى خلالها زيادة عن عشرين ضربة.

أما في قلبي، فقد استمر الأمر يوماً كاملاً، وأحسست بكل ضربة، وبكيت لها كلها رغم أن الفتى لم يذرف دمعة ولا حتى لانت قسماته. كنت أتساءل في نفسي: لِمَ يُعاقَبه وقد صح جوابه؟ ولم يعد التلميذ للمدرسة بعد ذلك اليوم. بعد أعوام عديدة، مررت بسوق الحمّالين والعمّال، فأقبل عليّ شاب من بعيد، عرفني ولم أعرفه. لا أدري أين كان ذهني تلك اللحظة، فمن كان صبياً قبل أعوام صار يومها رجلاً متعب الوجه، بشاربين وذقن قاسية، وقال مبتسماً: "حبيبي أبو الفرس، أنا فلان متذكرني؟" ما زلت حزيناً عليه حتى اليوم، فقد رأيت بأم عيني كيف دمّر معلمٌ مأزوم بلا إحساس طفلاً بلا سبب ..