بتقديري، كنتُ حينها فتى في الثانية عشرة من العمر، وكان يدرّسنا العربية معلم عَبوس غريب الأطوار، صمته أكثر من كلامه. كان ناقماً على كل شيء، وبرغم ذلك ما ظننت لحظة أنه هو الذي سيكسر مجذافي كوني من المتفوقين. بالقسوة المعهودة لدى فئة من ذلك الجيل من الأساتذة، كان يفرغ سخطه على التلاميذ يوماً واحداً مشؤوماً كل أسبوع، وذلك يوم مناوبته. لم يكن ضربه من قبيل التأديب، إنما لإشباع السادية والانتشاء بالتعذيب. كان حانقاً غضوباً أخاله من بقايا محاكم التفتيش. يكفي أن تعلموا أن كل واحد من تلامذته -وأنا منهم- خرج إلى الدنيا بعاهة نفسية، فمنهم من كره المدرسة وقرر عدم استئناف الدراسة، ومنهم من لازمته "التأتأة"

بالنطق، أما بالنسبة لي شخصياً، فقد كان له الفضل بأنني قضمت أظافري زهاء ثلاثين عاماً كلما توترت. لقد كان ابتلاءً عصيباً للتلاميذ، وما خلص منه أحدهم إلا وهو مكلوم أو مخدوش، وليس ثَم شفاء تام للألم الذي يتعرض له المرء في المراحل المبكرة من حياته، بحكم أن ليس هناك شيء عابر، فكل شيء يترك أثراً؛ المواقف والأماكن والأشخاص. ذات يوم، حدد لنا واجباً منزلياً بكتابة موضوع إنشاء، ولم يضع خيارات لعناوين لنختار منها، بل ترك لكل واحد منا حرية اختيار الموضوع بحسب ميوله ومهارته بالتعبير. كانت تلك الفرصة أول اختبار لي للتعبير، مرتكزاً على شغفي الجارف بالمطالعة والقراءة التي توفرت في بيتنا منذ بداية الوعي، فاستعنت بالمخزون القصصي المقروء ووضعت سن القلم برأس الصفحة وأرخيت له العنان،

فخططت ما أمكنني إمساكه من الأفكار، بخيال فتى ينتمي لبرج العقرب. يتواجد أغلب وقته في المنطقة الفاصلة بين الخيال والواقع، أبسط خوارزميات دماغه نسج حكاية بالمقلوب، بمعنى أنه يحدد الخاتمة أولاً ثم يبني الأحداث رجوعاً نحو البداية، صبي ملهوف بالاكتشاف، فلا يكفيه الابتهاج بالألعاب النارية والمفرقعات بقدر سعيه لصناعتها، لديه عالم كامل خاص به يمكنه البقاء فيه طويلاً كأولئك النفر الذين اختاروا العيش في "الاسكا" على بعد آلاف الأميال عن أقرب حاضرة للبشر، طفل جال السماء بنظره آلاف المرات لكي يرى الله. أنهيت -بيسرٍ- قصة متخيلة وسلّمته إياها باليوم التالي كبقية التلاميذ. جلس يصحح الأوراق بتمتمات غير مريحة وتعليقات جارحة هنا وهناك، حتى وصل قصتي، انتظرت إطراءه أمام زملائي فضلاً عن علامة مميزة للواجب، إلا أن ما حدث كان النقيض تماماً، شرع بتعنيفي وازدرائي على مرأى الجميع.

اتهمني بسرقة القصة، واستكثر علي ابتكار الفكرة، فقال بتهكم: "بدك تقنعني يا بو... إنه انته اللي كاتب هاظ الحكي؟" وكان يشير نحوي بالسبابة صعوداً ونزولاً. أدانني ثم عاقبني، وانتهى الأمر بصفر كبير برأس الورقة. يدي التي مددتها للضرب لم تشعر بشيء على الإطلاق، صدمة الإهانة شلت رغبتي بالدفاع عن النفس، أو حتى الكلام، وأي كلام يقال في حضرة وحش كذاك؟ تلك لحظة ذاب فيها جزء من طفولتي في شقوق الأرض. اليوم حين أستذكر ذلك الموقف أتصوّر حيرة يوسف الصدّيق وهو ينظر في وجوه إخوته ساعة حملوه، ثم خيبته حينما رموه في الجب. إذ جاءه الخذلان ممن كان يراهن عليهم بأنهم السند والمنعة، وأقول لا قسوة تعدل الخيبة.