لا تخدعنّكَ ابتسامات المحيطين، فبينهم أشخاص عصيون على الترويض، يشبهون الخيول البرية، لا تلوى أذرعتهم ولا تقاد رؤوسهم، ولا تُملَكُ قلوبُهم إلا بالعناية والتقدير .. فقط باحترامكَ لوجودهم في حياتك، يهبونكَ ضياء عيونهم لأجل الود، ويبتلعون اضطراباتكَ لأجل الخاطر بمزاجهم هم، وليس لأجلكَ أنت، ولا تنس وضع ثلاث خطوط تحت "مزاجهم" هؤلاء لهم موازين للحروف والكلمات فيكيلونها بحبة الخردل ويقيسونها بالميلليمتر

فإن كانت بالحسنى فهي بلسم، وإلا كانت كالسم هؤلاء يقرؤون المشهد بدقة عالية لكنهم بارعون في لعبة "التغاضي"، فيصمون آذانهم عن حدة نبراتك، ويغضون البصر عن ملامحكَ المتأهبة، فقط من أجل ألا يخسروك، فإن ظننت أنهم سذج بلا ذاكرة، فستأتي لحظة يواجهونكَ فيها بكل موقف كنت تحسب أن سيذروه النسيان .. يتجاوز أمثال هؤلاء الاشخاص عن زلاتك مرة واثنتين وثلاث، وعشرين، ثم لا تلبث أن تلتفت حولكَ فلا تجدهم، فإذا بهم قد انصرفوا عنكَ دون سابق إنذار ودون أي شعور بالندم تجاهك .. طالما أنهم يعاتبونكَ فما زال لكَ مقعد في بستان الصداقة الذي سوروه لأنفسهم، فإن كفوا عن عتابكَ فانتبه وتيقظ، فذلك يعني أنهم شدوا أمتعتهم فوق رواحلهم ولم يعد يهمهم أكنتَ في قافلتهم أم لم تكن ..