الحكمة ليست مكانة علمية ولا رتبة أكاديمية، ولا علاقة لها بالهندام ولا بالمنصب، ولا الرصيد البنكي يقصّر سبيل الوصول إليها، بل إن المال يشغل العقل والفؤاد عن نيلها .. ولا هي بحفظ أمثال العامة الجوفاء، فيرددها المرء بلا داع كالببغاء .. لا يكفي تقادم الأيام والعمر لبلوغ الحكمة ما لم يخالط المرء الناس ويَخبُرهم، ويتلمس أفئدتهم وعقولهم وهممهم، ويطّلع على أهوائهم وأشواقهم، ويتحسس آلامهم -إن لم يشاركهم الوجع- ويشهد تحولاتهم بأحزانهم وأفراحهم،
ويعاين صبرهم على البذل والعطاء كفئات بالإجمال، وكأفراد بالتعيين .. الحكمة خليط من العلوم والقيم والتجارب، وهي رزق يؤتيه الله لمن يشاء، (فقد) تؤتاها بعد الأخذ بأسباب بلوغها، فتحصدها من أماكن شتى قد تعرفها كالغرف الصفية والبيوت والمجالس، أو في أماكن لا تخطر ببالك يوماَ كالشوارع والمقاهي والمتاجر والمستشفيات، وأشخاص تسوقهم الصدف والأقدار لدربك من أقران وزملاء ورفاق مرحلة وأقرباء وغرباء، من الأمناء والسفلة، من الأشراف ومن الأراذل، من كل صنوف البشر وأشكالهم، وستفهم المعنى حينما تسمع شكوى كل مبتلى..
ولا تستغرب إن قلت لك أنك ستتعلم كثيرها من قليلي الأدب أكثر من المؤدبين فلن تعرف قيمة النور ما لم تعاين وحشة الظلام.. أول خطى الحكمة معاشرة الناس ومعاينة سلوكاتهم، ابتداء من العابدين وانتهاء بالفساق، من آمال الآباء بأبنائهم إلى خيباتهم السحيقة، من ثقة الناس بالناس إلى خياناتهم القاتلة، من جشع الثري إلى ذل المفلس، من قصص العالمين وكلامهم وزفراتهم، من نظرات المعجبين إلى حسد الحاسدين، من الابتسامات الحقيقية إلى المزيفة، من الترددات التي ترسلها أرواح الناس لقلبك، من خالص المحبة إلى الغل والضغينة، والتودد بنية الحب أو التقرب بنية الغدر ..