هل اختبرت مرة الشعور بين الحلم واليقظة؟ بين آخر لحظات الوعي وبين النوم وسلطانه الجبار، نجتاز منطقة وعرة غامضة مغلفة بالضباب كقصص الخيال والأساطير تتشكل لدينا صور سرابية مكسرة في حديقة نفوسنا المجهولة لا نملك مفاتح تخولنا دخولها سوى تلك الثواني بين الإغفاءة والنوم.. صورة كالماء حين تداعب وجهه نسائم الهواء كطائرة ورقية تتفلت كي تحلق وحدها بينما يشد الطفل القابع فينا خيطها ليروضها يريدها أن تبقى رهن يديه وطوع أمره، ولكنها عصية، لا تنفك عن الجري في شتى الاتجاهات ..
تلك الثواني لها وقع فريد إنها اللحظات الوحيدة في هذه الدنيا التي نقوم فيها بإجراء اتصال بعالم آخر عالم نجهله تماماً ولا نعرف عنه سوى شذرات يسيرة وصوراً مبعثرة رواية عن كتاب الله وحكاية عن المرسلين أتذكرون المكالمات الخارجية قبل أربعين سنة؟ مثلها تماماً، نعي منها عشرها أو ربعها أو نصفها والباقي ملء فراغات وتخمين بتخمين.. لا شك عندي البتة، أنني عشت في ذلك العالم ذات يوم، وأنني نفيت منه إلى هذه الأرض ذات خطيئة، عالم نؤول إليه بعد انقضاء محكوميتنا البائسة في دنيا يكفيها أسى أن العدل المطلق ليس أحد مكوناتها، ولا ركناً من أركانها ..
عالم نزعت منه قوانين نحسبها ثابتة عالم بلا موت، فلا معنى إذاً للوقت فيه عالم ليس فيه مريض، ولا مظلوم عالم بلا حزن، ولا وحدة عالم ليس فيه ليل، ولا نعاس ليس فيه خوف، ولا حتى ملل عالم يناديك فيه الملأ الأعلى بأحب أسمائك عالم سجدت فيه الملائكة بأمر الله لأبينا آدم عالم كل يوم فيه أحلى من سابقه عالم اسمه الفردوس ..