كان في حارتنا مكتبة من الطراز القديم أرففها مقوسة من ثِقَل ما عليها .. صاحبها شيخ بطربوش نحيل البدن، بالكاد تخفي لحيته البيضاء لحمَ وجهه الدقيق - والذكرى تعود لأعوام خمسين مضت - امتلأت أرضها بأكوام القرطاسية والألعاب بينها مسارات ضيقة لا تتسع لأكثر من شخص كنت وقتها بين الخامسة والسابعة من العمر، أدمنت ذلك المكان، وما كان في طفولتي شيء أحب إليَّ من قضاء الوقت فيه ..
كنت أملأ عينيَّ بألوان الشمع والطبشور والأحبار وأسمع أصوات العصافير المطبوعة على القراطيس وأشم روائح الأزهار المرسومة بالسقف أقلام وفراشي رسم وألوان مائية، كل شيء كان مذهلاً ومغبراً، حتى أنني كنت أرى الغبار المتراكم فوق تلك الأشياء غباراً سحرياً.. قبل أن يطمئن صاحب المكتبة لوجودي كان يرقبني -خفية- وأنا أتجول في المكان، لئلا أختلس علبة معجون أو حزمة ألوان. صحيح أن نفسي راودتني -ذات مرة- أن أضع ممحاة معطرة بجيبي لكنني خشيت أن يُكتشَف أمري فتراجعت
لم يهمني الزجر أو التقريع كعقاب للسرقة، بقدر احتمالية حرماني من دخول المكان بعدها، فقد حفظت موضع كل شيء فيه أكثر من صاحبه، وما كنت لأستبدل متعة التجول بذلك "الفردوس" ولمس الأشياء فيه بأصابعي الصغيرة مقابل أي شيء، بل كان ثمة حلم يدور في خلدي وعقلي الباطن أن ليتني أعمل مساعداً لذلك الرجل بالمجان.. بعد مدة سمعت الكبار يتحدثون عن وفاة الرجل، وكان الموت آنذاك عندي شيئاً محيراً مبهماً، فكيف يعود المسافر ولا يعود الميت وكلاهما غائب؟ ظللت مدة أذهب لذلك المكان فأقف ببابه الخشبي العتيق المغلق، وألصق ناصيتي بنوافذه الزجاجية الصغيرة، وكفيّ تطوقان جبهتي كي أرى بوضوح، أملاً بأن يعود الرجل عن قراره بالموت،
فأراه منهمكاً بوقار في شؤون مصلحته، وأحظى بجولة أخرى في المكان، لأنعش الروح بجرعة جديدة من الصور والروائح والألوان .. رحلنا من ذلك الحي إلى حي بعيد، ثم انتقلنا إلى مدن مختلفة، لكن شيئاً من وجدان الصبي ظل بباب ذلك المكان حتى اليوم ..