مرة خرجت رفقة امرأتي نتجول في سوق أثاث مستعمل، فرأت قطعة أعجبتها فدخلنا لنستفسر عن السعر والتوصيل، فإذا بشيخ ثمانيني بذقن بيضاء خفيفة يجلس خلف مكتب صغير وبين يديه مصحف يقرأه بصوت خافت. كان حوله عدد من الشبان يتبادلون الأحاديث فيما بينهم، فمنهم الجلوس ومنهم القائمون، وبدا لي أنهم أبناء ذلك الشيخ. سلّمت فردّوا بالإجمال، ثم توجّهتُ نحو الشيخ باعتباره "راعي الحلال" بدلالة سِنّه وجلوسه وراء المكتب، فقلت "شو سعر هالخزانة البنية اللي على الرصيف لو تكرمت؟" قطعَتْ كلماتي انتباهه فأتمّ الآية ثم رفع رأسه وقال "أهلاً وسهلاً"، رددت: "وبالمهلّي"، فأعدت سؤالي، فقال: "تفضلوا اجلسوا" وأشار لأحدهم بيده إشارة معناها صب فنجان قهوة سادة، فشكرته وقلت: "بارك الله فيك، احنا مستعجلين"،
فابتسم وقال: "وكان الإنسان عجولا"، فسكنتُ ولم أجب، ثم أتبع بكلمتين "لهجتك حوراني" فقلت: نعم صحيح، وحضرتك من وين؟ -والحقيقة أنني سألت من باب المجاملة- فأجاب بذكاء "أنا من ديرة، وأبوي من ديرة ثانية.. فأياهن بتحب أقولك؟" فقلت: "اللي بدك اياه" وذلك ما كان ينتظره الرجل، فقال: "احنا بالأصل من الجنة" فاجأني جوابه اللامتوقع، فقلت: "منين؟" فأعاد: "من الجنة .. مش أبونا آدم من الجنة؟" فقلت: "مزبوط" فقال: "احنا من غاد وبرحمة الله راجعين لها" لا تنفك تلك العبارة عن مداعبة فؤادي منذئذ، ونفسي تحدثني على الدوام: سقا الله واحنا راجعين لها ..