توضيح: جئت بعنوان الخاطرة من عالم الرياضة، فحينما يفوز فريق في مباراة، ثم يرد خصمه الصاع صاعين في المباراة التالية، يطلق على المباراة الثانية: ريمونتادا. كنت وقتها في الثانية عشرة وكانت العطلة الصيفية في منتصفها، وما فيها من حركة ونشاط منذ الإفاقة الصباحية حتى غيبوبة النوم. كنت أكبرَ إخوتي وأبناء عمومتي وأبناء الجيران في ذلك الجزء من الحي، فشغلت منصب مدير النشاط الرياضي -للمذكورين- بحكم السن، وكانت مهامي الأساسية تحديد جدول الألعاب اليومي زماناً ومكاناً وتوزيع الأدوار. كان النهار بطوله وعرضه لا يتسع لطاقاتنا وكأننا قطيع ذئاب خُلقت لتركض فحسب. كنا نفتتح النهار بمباراة لكرة قدم انفقنا لها طقمين من القمصان القطنية الملونة ومرقمة بدهان "رش"، وكان الغبار المتصاعد من

تحتنا أغزر من غبار سباقات الخيل والإبل، ونادراً ما ينتهي اللقاء دون شجار وتمريغ بالتراب. ثم نتحول إلى الدراجات ثم "الدواحل" (كرات الزجاج) والطيارات الورقية ثم صيد العصافير، فإذا وجدنا إطاراً أشعلنا فيه النار. يا إلهي كم كانت تكرهنا قطط الحي، إذ لم نترك لدى أي منها ذيل، أقصى أمانيها أن تهنأ بشربة ماء أو تقضي حاجتها دون انقطاع. أزعم أننا لم نترك لأي قط منها سوى روح واحدة من أرواحه السبعة. أنفقنا أوقاتنا بتسلق أعمدة الكهرباء والأشجار والقفز أمام السيارات والعبث بكل ما هو خطير. كانت الكلاب والثعابين وحتى السحالي تستعيذ منا، كنا وقتئذ أعداء البيئة بامتياز. في نهاية اليوم كانت ملابسنا وألوان بشرتنا تتشابه تماماً كعمال المناجم، تفوح منا كل الروائح إلا النظافة، وحين نرجع مساءً (حيث تنتظرنا ينابيع الحنان) كانت تلك الأوساخ والروائح كفيلة بأن يسمع كل واحد منا استغاثات البقية من الصفعات المتتالية.

لم يكن معروفاً حينها مصطلح حقوق الطفل، ولم تكن هناك قوانين تجرم الأهالي بتهم التعذيب والتنكيل. كان التأديب يترك آثاراً ملونة نعدها أوسمة شرف، ونكشف عنها ملابسنا في اليوم التالي لنتباهى بها فيما بيننا. كان هناك زقاق ضيق يفصل بيتنا عن بيت يملكه شيخ يكبر والدي بفارق جيل، فوالدي كان وقتها شاباً في مطلع الأربعينات أو أقل، وكانت العلاقة بينه وبين ذلك الشيخ رسمية مغلفة بالاحترام والمجاملات، ربما لأن الشيخ بالواقع كان يعيش في بيت ثان له في حي آخر، وكان يأتي لحارتنا أسبوعياً، مشياً على قدميه مشبكاً يديه خلف ظهره -المحدودب- إما للتفقد أو لقبض إيجار أو لعمل صيانة للبيت بعد رحيل مستأجر وهكذا. وبالرغم من عدم معرفتي بمعدن الرجل -رحمه الله- بحكم الفارق الشاسع بيني وبينه من حيث العمر، إلا أنني اليوم أوقن أنه كان رصيناً محترماً لا يقل قدراً عن أفاضل كبار وشيوخ مجتمعنا.

كنا نحن الفتية نخشاه، فنلعب بعيداً حين يتواجد في المكان، حتى أننا كنا نتجنب ركل الكرات باتجاه منزله رهبة منه، رغم أنه كان يعيدها لنا سليمة حين تقع داخل سوره. ببساطة ودون إطالة: كنت أنفر منه بشدة، وليس عندي مبرر أو تفسير. شأني بذلك شأن من يحب أو يكره من طرف واحد، فتكبر مشاعره حتى تغدو بحجم شجرة، والآخر لا يدري عن الأمر شيئاً. بناء على ذلك، "تراءى" لي أن الرجل طالت خصومته معي ودانت له الغلبة سنين خلت، فكان لا بد لي من الظفر به ولو مرة واحدة، كي أرد شيئاً ولو يسيراً من سجل هزائمي "المتوهّمة" معه، لكن السؤال متى وكيف سأردها له وأجعلها قالبة الموازين (ريمونتادا)؟ ذات يوم، رحل مستأجر من بيت الرجل، فشرع بعمل صيانة له تمهيداً لإعادة تأجيره، وكان من ضمن أعمال الصيانة دهانه من الداخل والخارج، وكانت واجهاته الخارجية من الباطون لا من الحجر. ظل عمال الدهان يعملون على مدى يومين، وبعدما أنهوا العمل كان يشع كمنارة.

كالعادة، تجمع الصبية في صباح اليوم التالي، وساقتنا الصدفة لحديقة بيتنا الخلفية، ورأى الفتية ما أغواهم؛ بقعة طين مساحتها كبيرة تشكلت بحكم قربها من بئر الماء وساعة البلدية. لعبنا جميعاً بالطين ومرغنا أنفسنا حتى الملل، وعلت الضحكات وامتلأ الجو فرحاً، وحين طغى العبث صنعت بقبضة يدي كرة من الطين بحجم لقمة "دحبور" المنسف وقذفتها باتجاه بيت الجار فالتصقت بالجدار، فأعجب ذلك الصنيع أحد الصبيان فصنع مثله، ثم الثاني فالثالث والضحكات تتعالى والقذائف تتطاير، وصار التنافس شديداً وحمي الوطيس، ودامت تلك الغزوة الجنونية قرابة ساعة، وما تعبنا ولكن الطين نفد. كانت رؤوسنا تدق بعضها بعضاً جراء الرقص والضحك. غسلنا أحذيتنا أولاً ثم وجوهنا، وانتشرنا إلى ألعاب أخرى. حضر الرجل عصراً وأنا أرقبه من مكان خفي، وكلما اقترب كان يتوقف واضعاً يده فوق حاجبيه كمن يؤدي تحية

عسكرية، وكأنه يريد التحقق مما يرى، حتى وقف أمام البيت مذهولاً. البيت الذي كان يتلألأ بياضاً بالأمس أصبح كأنه زرافة أو فهد مرقط، واجهته فيها زيادة عن ثلاث أو أربعمائة إصابة، وسواء التصقت القذيفة بالجدار أم سقطت فأثرها ظل شاهد عيان؛ كان المشهد مروعاً. تولى والدي (أسعده الله بقدر ما أتعبناه) مهمة إعمار ما بعد النكبة، وأترك لخيالاتكم تقدير حجم التكريم الذي جلبناه على أنفسنا من طرف أهالينا الكرام. تنويه أخير: في مطلع كل عام دراسي كان كل واحد منا أشبه ما يكون بفتى أدغال لا يحسن مسك القلم.