آه لو تحققت بعض الأمنيات لعثرت على سوق لمقايضة المشاعر .. سترى السوق مكتظاً بآلاف الناس محملين ببضاعة يريدون التخلص منها بأي ثمن مشاعرهم المؤلمة وجراحاتهم النازفة ثم يشترون بثمنها ما خف وزنه وغلا ثمنه من السرور والآمال والأحلام الجميلة .. سترى على عتبة حانوت رجلاً في منتصف العمر غضبان أسفاً إذ فقد مدخراته على يد محتال فيشتري وعداً بالعوض عن الخسارة ..

وترى بباب متجر آخر شباباً يقايضون أحمالاً من القلق والحيرة بأكياس من الرضا والسلام وسبيل يغنيهم وساوس الشياطين.. وأرملة فقدت بعلاً بغصة وعبرات تشتري حلماً جميلاً تركن إليه كلما غفت .. وأب يقايض حنينه لطفله المتوفى بموعظة تصبره حتى يلتقيه بباب الجنة.. سوق يأخذ البؤس من المكلومين واليائسين والموجوعين ويعطيهم بدلاً منه الرضى والسرور.

قد قرأت القرآن فوجدته ذلك المكان قرأت طه والنحل ومريم والقصص وص، وقفت طويلاً عند "ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" وقفت طويلاً عند "وألقيت عليك محبة مني"، وقفت أطول حينما قرأت "إني أنا ربك فاخلع نعليك"، ثم وقفت ولم أبرح حينما رأيت كيف أن الله أوحى لأم موسى إرضاع وليدها قبل أن تقذفه في اليم "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه" أذهلتني فكرة أن الله بعزته وعظيم شأنه يذكّر أماً في أصعب لحظات الابتلاء ألا تنسى حاجة الصغير، وما شأن الرضعة إزاء تدبيره لفرعون؟ محروم من لم يعرف المحبة ..