لا يخلو الأمر من القراء الذين "يشخصنون" كل ما يمرّون به بسذاجة. ويتفاعلون مع صاحب المقال أولاً بأول وفقاً للمحتوى، فإذا كانت المادة تتكلم عن خيبة أمل -وهي حالة بديهية يمر بها كل إنسان على سطح هذا الكوكب- يفترضون أنها انعكاس لتجربة تعرض لها الكاتب في تلك الساعة أو في ذلك النهار، فيسارعون بوضع تعليق على شاكلة "ولا يهمك، يا جبل ما يهزك ريح"، وإذا كان المحتوى يتكلم عن عثرات الأيام أو العجز أو قلة الوفاء أو، أو، أو.. تجدهم يبادرونك بفزعة على شاكلة "مين اللي مزعلك؟" هذا النوع من التفاعلات ينم عن سذاجة وظرافة، إذ يفترض بالقارئ التعامل مع النص بمعزل كلي عن حياة الكاتب الخاصة، حتى ولو كان يعرف الكاتبَ معرفة حميمة،

ولو كان مجاوراً له بنفس الحي أو الشارع أو البناية. فلا بد للقارئ أن يعي أن تأثّره العاطفي بالمحتوى المكتوب دلالة على أن الكاتب يمتلك مهارة شد انتباه القارئ وتحريك مشاعره من اتجاه لآخر. فمن الطبيعي جداً أن يضم الكاتب في باطنه عدداً من الشخصيات بطبائع مختلفة يظهر بعضها ويظهر بعضها الآخر بحسب المشاعر المتدفقة والصورة التي يود التعبير عنها أو الكتابة حولها، وليس من الضروري أن تكون كل مادة يكتبها المرء تعبيراً عن حالته أو تجربته في ذلك اليوم لو رفع أمل دنقل رائعته "لا تصالح" على الفيسبوك، لكتب له أحد المتابعين: وحد الله واستهدي بالرحمن، ترى الصلح خير، والخيّر بقول وبغير لا تشخصنوا النصوص فيفقد الأدب جماله