موسى -وما أدراك- مسافر غريب بليلٍ بهيم لا يعلم بأي أرض هو، يقول لامرأته -الخائفة بفطرتها- : قد لمحتُ بالأفق ناراً فامكثي حتى آتي منها بجذوة لعلها تُداري وحشتنا.

أيّ اختبار للنفوس هذا؟ وأيّ قسوة سكبتها الأيام والبلاءات على هذا النبي، وأي نبي؟ ذلك الذي ألقى عليه بديع السماوات والأرض محبة منه. مشى بعتمة لا يقوده فيها لموضع النار سوى بصره، حتى جاءه نداء ليل: "يا موسى"، ولولا أن المنادي هو الرؤوف لفقد صوابه. ثم توالى الكلام (إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى). للوهلة الأولى يحيّرنا تساؤل مفاده: ما السر في أن يأبه المجيد بعظمته لنعلين حقيرين فيذكرهما في كتاب تتلى آياته إلى قيام الساعة؟ فإذا اعتبرنا أن الأمر بخلع النعلين لم يصدر تقدمة لحدث، بل عطفاً على حقيقة أدركنا الحكمة، فلا تقرؤوها بسياق (فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس)، إنما أدعوكم لقراءتها

بسياق (إني أنا ربك فاخلع نعليك)، وتلك تعرف بفاء السببية، وهي التي يكون ما قبلها سبباً لما بعدها، مثل: اجتهد فتنجح. وكما قال يوسف لأخيه لما آواه إليه (إني أنا أخوك فلا تبتئس) وقارنها بـ (إني أنا ربك فاخلع نعليك). فما دلالة النعلين؟ بيت المرء هو سكنه ومحل طمأنينته ولا يغادره إلا بنعلين يجري بهما ويلهث وراء الدنيا، حتى إذا انتهى من مقارعتها رجع حيث يحلو له خلع النعلين، ألا وهو بيته، فإذ قال الله لموسى إني أنا ربك فاخلع نعليك، فقد ملأه بأجمل شعور يمكن لبشر أن يختبره، وهل في الكون كله أجمل وأكرم من ضيافة ملك الملوك؟ إذ يقول لموسى: أنت الآن عندي وفي رحابي المقدس، اخلع نعليك واسترح واهدأ واطمئن. عسى أن يكرمنا الله فيقول: إني أنا ربكم فاخلعوا نعالكم ..