الكاميرا تعيننا على تخليد اللحظات الجميلة لأنها قلّما تتكرر، فنوثق السعادة لكي نرشفها لاحقاً كذكريات مصورة. كل لحظة جميلة لا بد أن تنقضي، ثم نعود بعدها نجابه بقية الساعات المحشوة بالقلق والكد والسعي والهموم وأثقال الحياة .. أزعم أن لن تكون لنا حاجة للكاميرات في الجنة لأنها -أي الجنة- دائمة المسرات، فلا داع إذاً لتوثيق لحظة فرح طالما أن السرور هناك مستمر .. قد يقول قائل إن الكاميرا لا تجمد اللحظات السعيدة فحسب، فأقول: وما حاجتنا لتجميد ما لا يسر الخاطر؟ من يحب أن يستزيد من البؤس سوى المختل؟ قد يجيب أحد فيقول: أنا صحفي، مهمتي توثيق الأحداث فأقول: وماذا يفيدني توثيقك للبؤس؟
ما معنى أن تعرض علي طائرة تحترق بركابها ؟ أو فيضاناً يسحب الصبيان إلى الهلاك ؟ أو كئيباً يرمي نفسه من شاهق ؟ أو مريضاً يرتكب مجزرة ؟ أيعقل أن ثمة لذة في رؤية الدم ؟ أين التشويق في رؤية الموت ؟ أين ذهبت العقول السوية والقلوب اللينة، لكي نستقبل ونرسل -بنهم ولهفة- المآسي والأحزان، والحوادث المروعة والفواجع التي تدمي قلوب الآدميين ؟ أنا -بالحقيقة- في أمسّ الحاجة لمن يريني النور والماء والحياة، لا لمن يغرقني أكثر في الظلام والأسى، فالدنيا مليئة بالظلم والآلام منذ أُهبِطنا إليها.
لأن روحي مليئة بالندوب جرّاء دناءة البشر. منذ خرجت ذات صباح لألعب بدراجتي الهوائية فلم تكن هناك، فقد سرقها خسيس بعتمة، فحوّل طفلاً من خندق البراءة إلى معسكر الكراهية قبل أن تنساب دمعتاه على وجنتيه منذ اللحظة التي رأيت فيها أطفالاً وأبويهم يبكون جميعاً بسبب الذل والجوع وقلة الحيلة منذ الموقف الذي سمعت فيه أول مرة أن فلاناً قد مات مات؟ ما معنى مات يا أبي؟ فكان الرد: غادر بغير رجعة كيف يعالج فؤاد الطفل هذا الجواب؟ منذ الساعة التي رأيت فيها شعوباً هُجِّرت، وأحلاماً بُعثِرت، وأمنيات تكسَّرت، وأرواحاً غالية على أصحابها وخالقها أُزهِقَت، وبيوتاً سعيدة هدمت فوق رؤوس أهلها كله بدون ذنب ..