المشاعر أشياء حقيقية ملموسة، صحيح أننا لا نراها بأعيننا، لكن لا يمكن إخفاء أثرها على محيانا. تخيل لو اتفق العلماء على وحدة لقياس المشاعر كالقدم المكعب لكانت مألوفة لدينا عبارات على شاكلة: أنفق فلان في حفل زفاف ولده خمس جالونات من البهجة، وقد وزّعها على المدعوين حتى نال كل منهم نصيبه. المشاعر لها خصائص تشبه المواد المشعة، فالفرح والحزن، والسرور والانقباض، والتفاؤل واليأس، والحب والكراهية، والشوق والجفاء، والغبطة والحسد، والصدق والنفاق، والمواساة والتهنئة كل تلك المشاعر لها خاصية الانتشار السريع في النفوس والأمكنة، لذا لا بد أن تكون يقظاً في المواقف التي تبادل الآخرين فيها مشاعرك.
لا إحساس في هذا العالم أجمل من مشاعرنا التي نلتقطها كما نلتقط حبات المشمش عن الأشجار حين ندخل بيوت أجدادنا التي لعبنا في زواياها في مراحلنا الأولى من العمر، ونالنا من حبهم نصيب محفور في ثنايا الوجدان، بل تتضاعف كمية تلك المشاعر ساعة دخولنا بيوتهم إن كانوا أصلاً في عداد الراحلين. مشاعرنا تلك تشبه إلى حد بعيد الشعور الذي يعترينا حين نزور مكانا مقدساً كالكعبة أو أثراً تاريخياً كمسجد قرطبة أو مؤتة أو اليرموك، فتلك الأماكن تعج بالمشاعر الطاغية التي لا نملك إزاءها سوى الصمت والذهول. إن لمعة أسىً بعينيك حين أتيت تعزي صديقاً تساوي عنده ألف يد امتدت تصافحه من قبيل العرف، وحضناً قوياً لصديق عاد بعد غياب يساوي عنده ألف قبلة جافة جرت عليها عادة الناس.