لو كنت مكانكِ لحذفت كل الرسائل، ومزقت المدونات والقصاصات والأوراق الملونة المزخرفة المدججة بالورد المجفف والزهرات، فما كل أولئك إلا شذرات صغيرة لا تكشف الحقيقة كلها ولا تعكس إلا جزءًا من الصورة .. لا بد أنكِ مللتِ "حتى نهاية الأيام" وسئمتِ أوهام الكلام فتباً لعبارات العشق والتخدير، وتباً لحب المظاهر والتزوير .. فالحروف بدعة زادها التمثيل والكلام خدعة كلها تضليل..

أحسبكِ لم تصدّقي يوماً أن الحب وصفة سحرية يتناولها المرء كالشراب أو الفاكهة فيصحو كل يوم منتشياً، وينام مبتسماً حتى ينقضي العمر .. الحب مسؤولية كبرى يلزمه نفوس بنفس القدر، يقوم مبناه على العطاء الخالص دون انتظار مقابل ولكنه بنفس الوقت شراكة قد تعصف به الفواتير غير المسددة الحب حالة عنيفة من الفوضى الخلاقة، يبدأ بابتسامةٍ حينما يعود أحدهم حاملاً باقة ورد .. الحب جرعة "أدرينالين" والتزام بعهد وميثاق، وكذلك فيه ما فيه، من خصومات يتبعها عناق،

تراشق وعتاب وملامات، واتهامات متبادلة بالتقصير تلهبها الجدالات وتطفئها المهادنات، لكنها تنتهي -في أغلب الأحيان- بالرضا والمصالحات .. قد يبدو للوهلة الأولى فشل النموذج الاقتصادي للحب لأنه مشروع غير ربحي -بل خاسر- من حيث الجدوى، كجندي راح لجبهة قتال ثم عاد بعد وقت طويل مثخناً بالجراح ومرارة القتال وربما فقد أحد أطرافه، لكن عزاءه كان في الصورة الكبيرة وهي النصر .. التعب الناجم عن الحب أضعاف الملذات المتأتية منه، لكن لا يوجد في الحياة شعور يعدل حاصل ناتج السعادة منه.

إن أي مسرّة لا تقارَنُ بصلاح أبنائكما، فإن لم يكن هناك أبناء، فعزاؤكما كلٌ أنيسٌ لصاحبه ومتكأ، وانتظرا رؤية توقيع الأيام والأحمال الثقال في تجاعيدكما، في شعر رأسيكما، في بحة صوتيكما، وذوبان شموع عمركما التي أنرتم بها الطريق .. ثم تختم القصة حين ترتسم الابتسامة على وجه أحدكما عندما يعود شريكه للبيت وهو يحمل بيده علبة من مسكنات الألم لتخفف كل حبة "زاكية" عن كليكما أوجاع المفاصل والأعصاب والأيام ..