تقول: كانت أصعب زيارة قمت بها في حياتي، زيارة فارقة بعمر المرء بين الأمل والاستسلام. ذهبت لعيادة الطبيب بعدما أجريت الفحوص اللازمة -كالأشعة والمختبر- إثر عملية استئصال ورم خبيث. مكثت في صالة الانتظار قرابة ربع ساعة، طالت كأنها أسبوع، ثم جاء دوري لمقابلة الطبيب. استقبلني بابتسامة أنبأتني أن نتائجي مبشرة. وبالفعل، باللحظة التي قال فيها أن كل الدلائل تشير بخلو جسمي من الخلايا السرطانية شعرت بصخرة نزلت عن عاتقي، وأحسست بطاقة عجيبة وددت معها أن أقفز كطفل تلقى هدية أحلامه. انهمرت دموعي بصورة لم أعهدها من قبل. تجمدت قسماتي وكأن وجهي قالب من شمع ورغم ذلك ظلت الدموع تنساب بلا انقطاع.

كان ذلك أعجب يوم فيما مضى من عمري. ففي طريق الذهاب للعيادة كنت مثقلة بالهواجس والأفكار، وكانت التساؤلات تنهال على قلبي كحبات المطر دون أن أتيقن من إجابة واحدة. ماذا أفعل اليوم وماذا عن الغد؟ تبعثرت عندي الأولويات، وكل ما اعتقدت أنه مهم صار ثانوياً، ولم يعد هناك وزن لأمور طالما حملتها على محمل الجد، بل خاصمت الآخرين بخصوصها. وفي طريق العودة كنت محملة بآمال جديدة ورحت أخطط للمستقبل واستأنفت بعد طول توقف. أحسست بشعور عصفور أفلت من قفص، فراح يرفرف بجنون، يريد أن يطوف الدنيا بعدة خفقات. في خضم تلك المشاعر الجارفة احترتُ بمن أبدأ بالبشارة، زوجي أو أبنائي، أمي أو أخواتي. كم هي حياتنا هشة، وكم نحتاج في ثناياها لبصيص نور أو جرعة أمل.

بينما كنت أتقلب في نشوة تلك الزيارة قفز أمامي شرطي سير ملوحاً بيده للوقوف. انتبهت من شرودي ورجعت من ضجيج عقلي إلى الدنيا ومشاغلها. طلب الرخصة فناولته إياها، ثم أعادها لي بمعية مخالفة. سألته: لم هذه؟ فقال: عدم التزام بحزام الأمان. قلت: أتعتقد أني تسببت بضرر لأحد بذلك؟ فقال: لا، ولكن حرصاً على حياتك وسلامتك الشخصية أخذت نفساً طويييييلاً، ثم تنهدت وقلت: ماذا تعرف عن حياتي وسلامتي الشخصية؟ وهل يهمك ذلك حقيقة؟ اسمع أيها الشاب -حماك الله-، لا مانع عندي البتة أن تعطيني كل المخالفات في دفترك مقابل نسيان الشعور الذي كنت أحمله قبل ساعة فقط من الآن تضمحل كل همومنا حينما نمرض ..