مهما طالت بك الأيام، ومهما عاشرت الآدميين، فإنك لن تجد نسختين متطابقتين للبشر، وتلك بحد ذاتها آية. قد تظن في بادئ الأمر أن الموضوع بديهي، لكن أليس من العجيب أن ينجب زوجان ذرية فلا يتشابهون فيما بينهم، ولا يكون أحدهم نسخة مكررة من أحد أبويه، وستدرك جانباً من قدرة المجيد -تعالى جده- حين تتخيل أعداد الآدميين الذين سكنوا هذه الدنيا ورحلوا عنها تباعاً، ومع ذلك فكل واحد من هؤلاء شكّل حالة فريدة وعالماً مستقلاً بذاته وصورته وطبعه ومستوى تفكيره وهواه، ومن هنا ستدرك أن وفاة أي إنسان تعني غياب النسخة الوحيدة منه، وأن ولادة أي إنسان تعني قدوم نسخة جديدة تماماً إلى هذا العالم ..

ومن هنا فإن الجدال حول كل ما لا يعجبنا سيجعلنا في خلاف دائم مع كل من حولنا، والحقيقة أننا إزاء خيارين لا ثالث لهما، فإما أن نتقبل بكل وعي وإدراك أن الحياة شراكة قوامها "حق" الاختلاف، وإما أن يعتزل بعضنا بعضاً وليعثر كلٌّ منا على غار بقعر جبل بعيد وليسكنه بمفرده ..