ستكبر يا ولدي وسيكون لك شأن خاص بك وحدك، خلافاً لما كنت تتقاسمه مع إخوتك أيام كنتم صبية تلعبون سوياً وتأكلون سوياً وتلبسون ثياب بعضكم بعضاً، وتنامون سوياً في ركن من أركان بيتنا الصغير، لكنه برغم ضيقه كان أوسع لكم من كل الأرض .. لقد ألزمني الله أن أعدل بينك وبين إخوتك بالرزق، ما دمتم تحت رعايتي وكنفي، فكنت أتحرى المساواة بينكم -قدر استطاعتي- فإن لم تكن مساواة فقد كانت عدلاً واجتهاداً، لكن ما أن تستقل بدربك وتسعى بجهدك وذراعك ستصيب حظك المكتوب في اللوح المحفوظ بقسمة يعلم الله وحده مقدارها وميقاتها ..
الرزق أشكال وأنواع، سواء بالعلم أو الجاه أو المال. قد يكون نصيبك كفاف يومك ويوسع الله على أخ لك، وقد يوسع لك ويقدر على البقية لحكمة يعلمها، ذلك مما يبتلي به الله الناسَ ليختبر نفوسهم، وليمحص قلوب الإخوة والأخوات ويرى صنيعهم .. فإن كنتَ ممن قُدِرَ عليه رزقه فكن راضياً حامداً، واحفظ الفضل لأخيك إن أكرمك ولا تكتم معروفه، فإن الله يحب من عباده الشكور، وإن وسّع الله عليك وفضّلك على أخيك فلا تنسَ فضلَ الله عليك وكن لأخيك العون والسند، وكن صاحب اليد الفضلى والقِدح المعلى، فإن الله كريم يحب السخي ويعفو عنه، بشاهد قول الحبيب ﷺ "تجافوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده كلما عثر"
فيا ولدي، أوصيك أن تنصر أخاك نصرة تدهشه وإياك أن تخذله أو تقلل من شأنه في عيون الآخرين مهما كلفك الأمر من الحلم وضبط النفس، وانصح له ووجّهه بينك وبينه بلا ثالث معكما، إلا تفعل، يرتد الأمر عليك ولو بعد حين. فنحن في زمن عزت فيه الأخلاق والمروءة جداً، وأغلب الناس ممن ترميهم الحياة في دروبنا بلا تربية، ولا رادع لهم إلا الغلظة، ولا مؤدب لهم إلا الحزم، لا يسيل لعابهم إلا لصاحب الجاه أو المال، فيتقربون لك بطعن أخيك تزلفاً إذ سمعوا انتقاصه من لسانك، فقف معه وقفة تغمر حجرات قلبه فخراً بك، بل قد يتطلب الأمر أحياناً أن تنصره نصرة جاهلية كنصرة حمزة لمحمد ﷺ ساعة بلغه صنيع أبي جهل بابن أخيه