من طريف الحكايات الشعبية، حادثة رواها لي الصديق Haytham S Al-sarrayrih جرت وقائعها في "أدر" إحدى قرى الكرك.

🌷🥀🌷🥀🌷

في طرف الدنيا، حيث الطريق يضيق حتى يكاد ينسى نفسه، كان ثمة دير هادئ كأنه خارج الزمن، يسكنه خوري طيب السيرة، محبوب من أهل القرى المجاورة، حتى إن الناس كانوا يذكرونه بخير كما يذكرون المطر بعد صيف طويل. كان الرجل -رغم وقاره- بسيطاً في عاداته، ينزل إلى القرية مرة أو مرتين في الأسبوع. لا بعربة أو حمار، بل على قدميه، كأن الطريق صديق قديم يؤنسه ويأنس له. يمشي، يشتري حاجاته، يسلّم على هذا ويمازح ذاك، ثم يعود محملاً بما يكفيه من المؤن، وبما يكفي القرية من الطمأنينة.

عند مدخل القرية، كان هناك "مقر الأمم المتحدة" أو هكذا اصطلحوا عليه: دكان صغير يملكه شيخ كبير، صار -بحكم العمر والمكان- رئيس مجلس حكماء القعدة، يجلس بباب دكانه مع أقرانه، وكلهم بلغوا من العمر ما يجعل الذاكرة عندهم تدور في حلقة مفرغة. يعيدون القصص ذاتها، بنفس الحماس، وكأنهم يسمعونها لأول مرة. حتى أنه من فرط استمتاعه بتلك الجلسات صار يتفنن في خسارة الزبائن. فإذا سأله عابر: "عندك سكر؟" ردّ وهو يلوّح بيده: "خلص من يومين". علماً بأن أكياس السكر هناك مكدّسة على الرف، لكنه لا يريد أن تفوته "حلقة جديدة" من مسلسل الرفاق الذي لا ينتهي.

كان مرور الخوري عليهم جزءاً من الطقس الأسبوعي؛ يمرّ، يسلّم، يرمي نكتة خفيفة، وربما دعوة صادقة، ثم يكمل طريقه. حضور عابر، لكنه يترك وراءه دفئاً طويلاً.

فجأة، غاب الرجل .. اختفى. أسبوع، أسبوعان، والخوري لا يظهر. هنا بدأ القلق يتسلل إلى الجلسة. قال أحدهم وهو يعدّل جلسته: "يخوان، زمان ما شفنا الخوري، لا يكون صاير له شي؟" ردّ آخر وهو يهز رأسه بثقل الحكمة: "ما بصير .. لازم نروح نطمن عليه." وفي لحظة إجماع -نادرة- نهضوا جميعاً وكأنهم في بعثة رسمية، ومشوا نحو الدير، يتقدّمهم الفضول، وتدفعهم المحبة، وتسندهم العصي. وصلوا، طرقوا الباب، فاستقبلهم أحد العاملين، ورحّب بهم وأدخلهم. وهنا كانت المفاجأة: الخوري جالس، لكن ليس كما عهدوه. متكئ على عكاز، وقدمه ملفوفة بالجبص، وكأنه خرج لتوّه من معركة غير متكافئة. تبادلوا النظرات، ثم انهالت عبارات السلامة: "سلامات يا أبونا"، "ما تشوف شر"، "الله يعوّضها بالصحة" .. جلسوا، شربوا الشاي، ودار الحديث حول الإصابات والذكريات، حتى سأل أحدهم، بنبرة نصفها قلق ونصفها فضول: "شو صار معك يا أبونا؟". تنهد الخوري، وقال ببساطة: "زحلقت بالبانيو وانكسرت رجلي .. والحمدلله اجت على هيك." هنا، هزّ الجميع رؤوسهم بتفهّم عميق. عميق جداً لدرجة الفراغ المفتقر لأي فهم. لكنهم لم يشاؤوا إحراجه، فاكتفوا بهزات رؤوس مدروسة، وكأنهم خبراء في علوم "البانيو". انتهت الزيارة، شكروا الرجل، ودعوا له، ثم خرجوا.

في طريق العودة وبعد أن ابتعدوا مسافة كافية عن الدير، بحيث لا يسمعهم أحد، ولا حتى البانيو نفسه؛ توقف أحدهم فجأة، وقال بصوت خافت لكنه ثقيل: "يا جماعة .. ويش هو هذا البانيو؟" توقفوا جميعهم في منتصف الطريق، وكأن الرجل تفوّه بما كان يدور في صدورهم منذ ساعة. ثم التفتوا إلى كبيرهم -صاحب الدكان- صاحب الرأي والمشورة والحكمة والتجربة، والذي يُفترض أنه "غوغل" تلك المرحلة. نظراتهم لم يكن لها سوى تفسير واحد، كلهم بانتظار جوابه.

نظر إليهم بثقة مزعزعة .. مسح لحيته .. ثم نفض الجواب بعصبية الكبار:

"عويه بتلدو بي .. هو أنا كاين مسيحي؟"

صبٰاحكم سعيد ومسٰاؤكم سرور🌹