من طريف قصص الحياة، موقف حضرته في نهاية تسعينيات القرن الماضي، أي منذ زيادة على عشرين عاماً. كان الصديق الغالي المهندس فهمي روشن يملك متجر مجوهرات في سوق الذهب في اربد. وكان لي معه آنذاك نزالاً يومياً بطاولة الزهر، التي أقلعت عنها بسبب هزائمي المتكررة فيها. لقد كان متمرساً بالطاولة، يلعبها بدهاء قل نظيره، ويحل عقدها ثم يقلبها لصالحه بعبقرية، فضلاً عن أنه كان يكلّم الزهر كما لو كان بينهما صحبة وأسرار، والأنكى أن الزهر كان يستجيب للتوليفة التي يطلبها كما يقول المثل "على القدة والمسمار"، فعرفت قدري ولزمت حدي واعتزلت اللعبة.

ذات يوم، دخل المحل ضابط عليه شارة سلاح الجو، وكان شاباً في مطلع الثلاثين من عمره، ويبدو أنه كان مقبلاً على الزواج، فجاء لسوق الذهب في زيارة استطلاع على الأصناف والأسعار تمهيداً للشراء في وقت لاحق.

سلّم فرددنا، وقام صاحبنا فأخذ مكانه كبائع خلف "كاونتر" الذهب. عرّف الضابط عن نفسه، وأوضح أنه عابرٌ مستطلع، فحيّاه صاحبنا، وبيّن له الأصناف المتوفرة، ووعده بالمراعاة بالسعر في حال لو قرر لاحقاً العودة للمحل، وهذا دأب كل تاجر متمرس. حاول الضابط معرفة نسبة الخصم بشكل دقيق مسبقاً، ولكن صاحبنا كان أذكى من أن يلزم نفسه في حينها، من باب أن سعر الذهب متغير بشكل يومي، كما أنه يريد أن يترك شيئاً من التشويق عند الرجل لكي يعود.

قبل أن يهم الضابط بالخروج، استوقفه صاحبنا وقال له: بما إنك يا بيك ضابط في سلاح الجو، ممكن أطلب منك (وأشار بعقلة اصبعه) طلب صغييييير، ما فيه أي نوع من الحرج لا سمح الله، وأنا متأكد إنه اللي أقل رتبة منك بقدر على أضعافه؟؟

فاستبشر الرجل بطريقة عرض السؤال، وجزم بينه وبين نفسه أن الطلب يسير، وإلا لما سأله صاحبنا بهذه الطريقة العفوية السريعة. ثم إن الرجل يطمع بكرم صاحبنا -إن قرر العودة- بمزيد من الخصم والمراعاة، فقال: أبشر تؤمر على خشمي...

ما لم يعرفه الضابط عن شخصية صاحبنا، أنه اجتماعي محترف، صاحب طرفة ولكنه يخفيها بنبرة صوت جادة كأصوات المذيعين، ومن المحال لمن لا يعرفه تمييز مزاجه، يتحكم بتعابير وجهه وصوته كنجوم هوليوود، ولا غرابة في ذلك، فيكفي أن تعلموا أنه من برج العقرب، محبته للناس والحياة تتمثل بالعيش بقربهم بخليط من الود والحزم والحب والجد.

فقال: بلاقي حويلاك طيارة حربية مستعملة للبيع؟ ومش ضروري تكون فحص، لو فيها رواسي بمشي الحال...!!!

صباحكم سعيد ومساؤكم سرور 🥀🌹❤️😂😂