يوجد في حارتنا فني صيانة عامة من إحدى الجاليات العربية، وسأستخدم له اسما مستعاراً لكيلا يتهمني أحد بالتنمر، فلنقل أن اسمه عوضين.
عوضين رجل فوضوي، اجتماعي، بسيط لأبعد الحدود، يعطف عليه أهل الحارة من باب أنه غريب بلاد وخدوم، فهو لا يتوانى عن تلبية نداء أي منزل لقاء أي أجر مهما كان زهيداً، كونه غير متخصص بالمعنى الحقيقي لأي من فروع صيانة المنازل، فهو "نص موسرجي" و"نص كهربجي" و"نص فني تدفئة" و"نص طريش" و"نص فريط زيتون" وهكذا. باختصار ، عوضين يقبع في المنطقة الرمادية لكل صنعة، ورغم أنه فني "نص كم" فهو يؤدي الغرض المنشود بالحد الأدنى، "يعني تسليكة حال" بأجر لا يثقل الكاهل.
يقضي عوضين جل نهاره في محل لبيع مواد البناء متوار بزقاق جانبي لمجمع تجاري قديم، والمحل يملكه شيخ طاعن بالسن. لدى عوضين صندوق للعدد عزيز على قلبه، يرتب محتوياته كلما سنح الفراغ له بذلك أو داهمه السأم، وقد يحدث ذلك عدة مرات باليوم، ثم يعيد كل شيء للصندوق ثانية، رغم أن كثيراً من تلك الأشياء لا تخدم أي غاية كنصف برغي أو زر درج "بايظ" أو ساعة غاز مشروخة أو قلب بطارية مكلس! لكن قلب عوضين لا يجرؤ على التخلص من أي تحفة في صندوقه. وكذلك يبدو لي أن عوضين لا يأبه بأهداف أو مسوغات بعض السلوكيات، فهو على سبيل المثال يلبس سترة شتوية طول العام وفي نفس الوقت يتأفف من حرارة الجو، يدخن بلا مزاج، ويشرب الشاي بارداً أو ساخناً، محلى أم غير محلى -لا يهم- إذ يبدو أن الشاي سلاح عوضين السري في استدامة الملل، ولا ينفك يجادل الشيخ كلما خلا المحل من الزبائن. المصلحة المتبادلة بينهما مفهومة، فهو يساعد صاحب المحل بتكديس البضاعة و"عدم" تنظيف المكان، ويعيد -بأمانة وغير اكتراث- القطع التي لم يشتريها الزبائن لأمكنتها غير الصحيحة، لدرجة أنه يستحيل على أحد من أهل الأرض الإلمام بمحتويات المحل، دون تفريغ محتوياته كاملة على الرصيف ومن ثم إعادة ترتيبها من جديد، لأن كل رف فيه حبة يتيمة من كل صنف. وفي نفس الوقت فإن المحل يوفر لعوضين سهولة الانطلاق لأي ورشة بحاجة لصيانة، فضلاً عن تقديم نفسه أمام "الجمهور" -الذي سآتي على ذكره لاحقاً- كمهني يعمل تحت مظلة مؤسسة متخصصة في مواد البناء، علماً بأن 90٪ من موجودات المحل عبارة عن أكواع ومفف ونقاصات وطواشات، والبقية كتكت ومسامير نخب ثاني مرتجعة من ورشات طوبار قديمة!
حينما يرن هاتف عوضين يرد بالترحيب تعييناً، بمعنى أنه يسمي المتكلم بكنيته كون أرقام أهل الحي محفوظة في هاتفه أصلاً، فيقول "أهلين أبو فلان"، لأنه نادراً ما يتلقى اتصالاً من خارج الحي، بل قل لا أحد من خارج الحي يعرفه أصلاً، فحارتنا هي المكان الوحيد والحصري الذي يمارس فيه عوضين أنصاف مهاراته. لا أنسى أني هاتفته مرة لأخذ مشورته في مسألة غير مصيرية بالتمديدات الصحية في منزلي، فأغلق علي الاتصال وبعث لي في ذات اللحظة رسالة نصية يقول لي فيها: أنا في اجتماع، سأكلمك لاحقاً! لم أكد أنتهي من تكهن المدة التي سينقضي فيها ذلك الاجتماع حتى رن هاتفي! لم تزد المسافة الزمنية بين الرسالة والاتصال عن عشر ثوان😁
لو إن ثمة لقباً عالمياً لعدم المبالاة بفوضى المكان؛ لحاز عليه عوضين بلا منازع! فهو يترك المكان الذي أجرى فيه عملياته الجراحية كساحة حرب، إذ لا يوجد في قاموسه أي مفردة أو عبارة تؤصل لمفهوم أن الرتابة والنظافة مع الإنجاز وجه من وجوه الإحسان، وكأن بينه وبين الفوضى حالة من العشق والتماهي.
ذات مرة، سألني -بمنتهى اللطف واللباقة- قبل أن يدخل بيتي لإصلاح عطل: أترغب أن أدخل البيت منتعلاً أم حافياً، وإذ رأيت حذاءه متسخاً طلبت منه أن يخلعه، وليتني ما طلبت! لقد نقشت جواربه نوعين من التواقيع داخل المنزل، اليمنى بالديزل واليسرى بـ"الشحبار"، ثم لما انتهى من إصلاح العطل وهمَّ بالخروج انتبه للطبعات التي خلفها حينما دخل، فأراد -من باب العناية والإتقان طبعاً- أن لا يصك طبعات جديدة غير تلك الممهورة بريشته آنفاً، فأخذ يتحرى وضع قدميه على ذات الطبعات في رحلة الخروج، ولكن هذه المرة؛ ومع تبدل الميمنة إلى ميسرة والميسرة إلى ميمنة، صارت كل طبعة بحد ذاتها مزيجاً من "الشحبار" مع عبير الديزل الفواح المستخرج من أعماق الطبيعة!
بعد تلك الغزوة، إذا أيقنت زوجتي (بتقنية "السونار" أو ما يعرف بالاستشعار عن بعد) أنني أتكلم مع عوضين على الهاتف، يصفر وجهها وتعتريها حالة من الهلع، ثم تتلوها كآبة مصحوبة بكلمات غير مفهومة لا تدوم لأكثر من سويعات قليلة بحمد الله.
إذا احتاج أحدكم لفني صيانة فلا يتردد بطلب الرقم مني، أما امرأتي فلا توصي به رأفة بأعصاب "مرتاتكم"
صبٰاحكم سعيد ومسٰاؤكم سرور 🥀🌹