كان والد أحد أصدقائي من أولئك الذين لو وزعتُ قليلاً من اجتماعياتهم على البشرية لانتهت أزمة الوحدة في العالم. رجل طيب، بسيط، ويرى أن الصمت مرض عضال يجب مكافحته فوراً. يجلس أمام البيت كمسؤول برج مراقبة، لا يفوته مار ولا ينجو منه عابر. من يمر به لا بد له من الإجابة على التالي: - وين يا طيب؟ - من وين جاي؟ - لوين يا مسهّل - شلون أهلك؟ - اقعد اشرب شاي

إذا سأله أحد عن عنوان بيت أو محل، تحوّل إلى نظام ملاحة بشري. لا يكتفي بقول: "ثاني يمين"، بل يبدأ من أيام الدولة العثمانية حتى يصل به إلى الباب المقصود. وقد أزعم أن "غوغل" حين خططت لإطلاق الخرائط كانت تضع صورته على طاولة الاجتماعات كنموذج أولي للمنتج النهائي. أما الضيوف، فهؤلاء نقطة ضعفه الكبرى. إذا دخل البيت زائر، استعاد الرجل حيويته ونشاطه بالحكايات والقصص. وإذا ارتفع صوت فناجين القهوة ظن أن الاقتصاد الوطني بخير.

كنا نحن -شلة الشباب- نتزاور بالتناوب. فإذا جاء الدور على بيتهم، جلس الأب معنا من أول دقيقة إلى لحظة الانصراف، كأنه عضو مؤسس في المجموعة، بل أكثرنا حماساً. يستقبلنا من الباب حتى المجلس بسيل ترحيب متواصل: - أهلاً وسهلاً - يا مية هلا - نورتونا - زارتنا البركة - الساعة المباركة - حيا الله بهالوجوه الطيبة كان يستهلك طاقاتنا النفسية من كثرة الرد على التحيات.

ذات يوم أخبره ابنه أن لديه ضيوفاً أجانب، وقال له: "يابا، هذول غير. ما عندهم مقدماتنا الطويلة، سلام سريع وبيدخلوا بالموضوع." هزّ الأب رأسه بثقة رجل يدخل مفاوضات دولية وقال: "ولا يهمك. علمني كلمتين إنجليزي." قال الابن: "بس قل لهم: هاو آر يو." تأملها الأب قليلاً ثم قال: "بس هيك؟! معقول كل اللغة هالكلمتين؟" قال الابن: "آه يابا، هنه كلمتين ورد غطاهن" فأخذ الأب يرددها ساعة كاملة كأنه يحفظ قصيدة جاهلية: "هاو آر يو .. هاو آر يو" حضر الضيوف، ووقف الأب على الباب ببدلة رسمية عمرها أكبر من أعمارنا، وابتسامة دبلوماسية. كلما صافح واحداً قال له بحرارة: "هاو آر يو" دخل الجميع وجلسوا، وبدأ الحديث. مرّت دقائق، ثم ساد صمت قصير. وهنا رأى الأب أن الواجب الوطني يناديه، فتقدم بالمبادرة قائلاً: "والله يا مية مرحبا .. وهاو آر يو بالجميع" ضحك الضيوف، فظن أنهم معجبون بتمكنه اللغوي، فارتفع أداؤه أكثر. وكما نفعل في مجالسنا حين نومئ بحركة خفيفة للأعلى بوجوهنا للضيف مع تحية "سيك بالخير"، صار ينظر لكل واحد منهم على حدة، ويهز رأسه بهيبة شيخ عشيرة، ويوزع الكلمات كما توزع الحلويات: - والله يا مية هاو - حي الله بـ"يو" - هاو عليك - هلا آر يو عمي ثم يعيد الكرة كل خمس دقائق. بعد نصف ساعة، لم يعد الضيوف يعرفون هل هم في ضيافة، أم في دورة مكثفة لتعلم الضمائر الإنجليزية، أم أن "هاو آر يو" اسم أكلة شعبية يصر المضيف على تقديمها.

فيما كان الأب يجلس مزهواً بنفسه، مقتنعاً أنه أول من فتح باب الحوار الحضاري بين الشرق والغرب، لا داعي أن أشرح لكم، فكلكم تعرفون شعور من يحبس الضحكات حتى يكاد يختنق، يكفي أن أقول: كانت تتطاير من أفواهنا رشقات الشاي والبسكويت.

صبٰاحكم سعيد ومسٰاؤكم سرور🌹