التواضع من أجمل شيم المرء، فهو مجلبة لمحبة الناس وشهادة له بالخلق الحسن، والمتواضع مع البسطاء والمساكين ينال رضا الله، والمتواضع مع والديه وإخوانه يرفع الله من قدره.
لكن إياك والتواضع في العلم؛ وأنا هنا أعني العلوم التطبيقية الحياتية حصراً، فحديث "من سُئل عن علمٍ فكتمه ألجمه اللهُ بلِجامٍ من نارٍ يومَ القيامةِ" لا علاقة له فيما أقول، لأن ذلك من علوم الدين والنجاة، وزكاة ذلك العلم نشره وإذاعته.
تواضعك بالعلم فيه رسائل وإشارات لمن هم دونك، بل مدعاة للجهلة والفارغين المتفلسفين للانقضاض عليك بلا تردد أو شفقة، كبيت بلا أقفال وقعت عليه عيون لصوص، فلن يتوان منافسوك عن تحييدك جانباً وأخذ مكانك، فيضيع اسمك من لائحة العاملين المهرة، ولا يُعزى لك فضل ولا يزجى إليك أجرك الذي تستحق، لذا حينما ييسر الله لك علماً تتميز به عن سواك، خذ خطوة لدائرة الضوء ودع الجميع يعرف من أنت، وتمسك بقوة بما يجعلك علامة فارقة عن الآخرين، فالمعرفة ثمينة، ولا بد من استثمارها لتعود عليك بالنفع، وهذا يسميه أهل التجارة بسر الصنعة "Know-how"
إن مقولة "أنا، وأعوذ بالله من كلمة أنا" مقولة فاسدة، فيها غبن لقائلها ولا توفيه حقه من الكيل، فلا تقم شأناً للآراء التي لا تضمن حقك مهما اشتهرت، بل إن كل الشواهد تعزز فكرة أن يبرز صاحب العلم فيقول بملء فيه "أنا"..
انظر كيف سارع العفريت بقول "أنا" حينما قال سليمان ﷺ لمن عنده "أيكم يأتيني بعرشها" وكان يقصد عرش ملكة سبأ؛ إذ قال العفريت: "أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين" ولم يقل "أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا"، ثم انظر كيف تقدم يوسف ﷺ وهو أعلم من الأول؛ "قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك"، وكذلك انظر قول يوسف ﷺ للملك بكل ثقة وقوة: "اجعلني على خزائن مصر إني حفيظ عليم"
حينما يكد المرء ويتعب على نفسه ليطورها، ثم يحرز علماً يتميز به عمن سواه، فتلك رتبة تؤهله لأن يقول "أنا" بملء الفم ..
صبٰاحكم سعيد ومسٰاؤكم سرور🌹