الطبقة الوسطى
يتكون أي مجتمع من ثلاث طبقات رئيسية، العليا والوسطى والدنيا. فأما العليا فتضم منظومة الحكم وأصحاب الثروة والأعمال، وأما المتوسطة فتضم أصحاب الدخل المحدود من موظفي القطاع العام كالمعلمين والعسكريين والتجار وأصحاب المصالح الصغيرة، ثم يقبع من تبقى من عامة الشعب في الطبقة الدنيا والتي تشكل أوسع شريحة في عموم المجتمعات، ويغلب على أفرادها العوز بدرجات متفاوتة ابتداء من دخولهم غير المنتظمة والمتواضعة نزولاً نحو الفقر ووصولاً إلى الفاقة.
الشغل الشاغل لدى الطبقة العليا هو ديمومة أوضاعها من السعة والدعة، ولا يعنيها -البتة- إن كانت الطبقات الأخرى مسحوقة أو مرتاحة، ولا تلتفت لمعاناة الآخرين وكفاحهم للعيش يوماً بيوم، لكنها بنفس الوقت -من أجل الحفاظ على وجودها- تدعم استقرار الطبقة المتوسطة، فتنشئ مشاريع يتربح منها بعض المستفيدين هنا وهناك تقدم من خلالها تسهيلات معيشية للطبقة الوسطى كإسكانات المعلمين والعسكريين والقضاة والصحفيين وهكذا، وتتفقدهم بزيادات دورية بالرواتب وتدعم جمعياتهم ونواديهم وتوفر لهم مؤسسات استهلاكية تعزز لديهم القناعة بأن الدولة تعتني بشؤونهم وترعى مستواهم المعيشي و"رخائهم" النسبي.
الواقع يقول إن الطبقة العليا لا يهمها رضا أحد، ولا يعنيها تقديم تفسير لأي جهة عن ثرواتها أو عيشها أو ممارستها للحكم وتصريف شؤون الدولة، وإن أي تفسير أو تبرير يقدم بهذا الشأن إنما هو استثناء لهذا الواقع، ويحدث عندما تصل الطبقة الدنيا لمستوى غير مسبوق من التهميش والظلم وتبدأ كرة الثلج بالتعاظم، وتتجه الأمور نحو طريق مسدود -وهذا نادر الحدوث-، حينئذ تبدأ بالظهور حلول يائسة لإعادة العجلات على السكة كما خاطب زين العابدين شعبه بلغة "الآن فهمتكم".
أهمية الطبقة الوسطى تكمن في دورها كمادة فاصلة أو لوح عازل بين العليا والدنيا، فحينما تزيد الضغوطات المعيشية على الطبقة الدنيا تبدأ بالتململ ويعلو همسها، وهنا يأتي دور الطبقة المتوسطة لتبريد المزاج العام وكبح التصعيد، من خلال نخبها وإعلامييها ومثقفيها وكتابها والمؤثرين فيها، فتتشكل التجاذبات وتنطلق الندوات والحوارات لتهدئة الأحوال والتحذير من تبعات الفوضى، وغالباً ما يؤدي هذا النهج لامتصاص الغضب في بداياته قبل أن يتعاظم.
إن الاعتناء ببقاء الطبقة الوسطى والحرص عليها من الذوبان من أكثر الأمور التي تساهم باستقرار الأوضاع في أي مجتمع، وإن مصير الطبقة العليا الوجودي مرهون ببقاء الطبقة الوسطى كجدار عازل وسترة واقية بينها وبين الطبقة الدنيا.
صبٰاحكم سعيد ومسٰاؤكم سرور🌹