يا ولدي، يعتريني شعور بالفخر كلما قرأت صنيع حمزة بأبي جهل، حمية لتجرئه على محمد ﷺ باعتباره ابن أخيه لا كنبي. من هنا، ستكبر ويكون لك شأن خاص بك وحدك، خلافا لما كنت تتقاسمه مع إخوتك أيام كنتم صبية تلعبون سويا وتأكلون سويا وتلبسون ثياب بعضكم بعضا، وتنامون سويا في ركن من أركان بيتنا الصغير، لكنه برغم ضيقه كان أوسع لكم من كل الأرض. تحريت ما أعانني الله أن أعدل بينك وبين إخوتك، فإن لم أصب فلي أجر المجتهد، لكن ما إن تستقل بدربك وتسعى بجهدك وذراعك، ستصيب حظك المكتوب في اللوح المحفوظ بقسمة يعلم الله وحده مقدارها وميقاتها. والرزق أشكال سواء بالعلم أو الجاه أو المال، وقد يكون نصيبك كفاف يومك ويوسع الله على أخ لك، وقد يوسع لك ويقدر على البقية لحكمة يعلمها.
ذلك مما يبتلي به الله الناسَ ليختبر نفوسهم، وليمحص قلوب الإخوة والأخوات ويرى صنيعهم. فإن كنتَ ممن قُدِر عليه رزقه فكن راضيا حامدا، واحفظ لأخيك فضله إن أكرمك ولا تكتم معروفه، فإن الله يحب من عباده الشكور. وإن وسّع الله عليك فكن لأخيك العون والسند، وصاحب اليد الفضلى والقِدح المعلّى، فإن الحبيب ﷺ قال: "تجافوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده كلما عثر" فيا ولدي، أوصيك أن تنصر أخاك نصرة تدهشه، وإياك أن تخذله أو تقلل من شأنه في عيون الآخرين مهما كلفك الأمر من الحلم وضبط النفس، وانصح له ووجّهه بينك وبينه. إلا تفعل، يرتد الأمر عليك ولو بعد حين. فنحن في زمن عزت فيه الأخلاق والمروءة جدا، وأغلب الناس ممن ترميهم الحياة في دروبنا بلا تربية، ولا رادع لهم إلا الغلظة، ولا مؤدب لهم إلا الحزم، لا يسيل لعابهم إلا لصاحب الجاه أو المال، فإذا بلغهم انتقاصك لأخيك، سيتقربون لك بطعنه تزلفا ونفاقا، فقف مع أخيك وقفة تغمر حجرات قلبه فخرا بك.