يا ولدي، ستمضي بك الأيام، وتتمنى لو تجمعك تلك المائدة العتيقة بوالديك وإخوتك من جديد، بكل ما فيها من مشاكسات ومزاحمات، وركلات من تحت الطاولة بعيدا عن عيون البقية، وما فيها من منافسات على "التراتبية" واستحواذ المكانة بين الأشقاء، ودروس بالرصانة والتعقل من أحد الإخوة لمن دونه سنا، لمجرد انسكاب كوب شاي عن طريق الخطأ. ستكتشف بعدما يعتلي الشيب رأسك أن الفوارق بالأعمار بينكم، كنتم ترونها وقتئذ شاسعة، لكنها بالحقيقة مجرد فراغات صغيرة امتلأت بالضحكات البريئة، وبعض الدموع السخيفة التي لم تختبر هموم الحياة بعد. سنتذكر نداءات أمهاتنا للطعام، ونبرات آبائنا وهم يلقنوننا دروس الحياة. سنشتاق كثيرا للحظات صارت اليوم مجرد ذكريات كنا نتشارك فيها الأحلام وخيالات المستقبل.

سنتذكر مناكفات ما قبل النوم، ودفاعاتنا عن حيز الفراش، والنور الذي يريده كبيرهم مطفأ، بينما يتوسل الصغير إبقاءه خشية الظلام. سنبتسم اليوم دون أن يدري من حولنا أننا تذكرنا مساعينا لفرض السيطرة باختيار محطة التلفاز، أو على آخر قطعة حلوى، أو على ما تبقى في قاع الإبريق، وأن تلك الابتسامة إنما هي استرجاع وشوق للضجيج الذي كان سمة تلك الحياة. سنتذكر كيف كنا ننتصر بإخوتنا في عراك الحارات، فكانوا الدرع الذي يحمينا، والسيف الذي ينافح عنا، رغم التوبيخ الذي سنناله لاحقا على شقاوتنا. ستمضي بك الأيام، وتدرك أن تلك اللحظات كانت كنزا ثمينا، تحول بفعل الوقت إلى ذكريات تومض وتنطفئ في الوجدان كصورة التلفاز الأبيض والأسود القديم.