يا ولدي، كان أجدادنا يستعملون مصطلح (طَرْش) كناية عن البهائم كالأغنام وما شابه. فأردت إعلامك بأنك ستصادف بعض البشر "طَرْش" لا يفقهون. ليس لعِلةٍ بآذانهم، بل لأن قلوبهم مقفلة. لا يسمعون سوى نبرة صوتك التي تتحدث بها، ولا يعنيهم سوى الفرصة التي يتحينون فيها الكلام. تراهم مقطّبِين الجبين تحسبهم غارقين في التركيز، بينما هم بالحقيقة يحضّرون في سريرتهم آلية الرد عليك. هؤلاء لا يحاورون، بل يتربصون، لا ليفهموك، بل ليهزموك. يمعنون النظر في شفتيك، لا لفهم ما تقول، بل لمعرفة متى تتوقف عن الكلام. يحضّرون بصمت منصة إطلاق، ويعاملون لحظة التقاطك للنفَس كإشارة بدء، لا ليناقشوا، بل ليهيمنوا.

أأدلك كيف تكتشفهم؟ هم الذين تنهي حديثك معهم فتشعر كأنك كتبتَ على ماء، وأنك ما كنت سوى عريف حفل يعطيهم الإشارة ببدء الكلام، وأن دورك ليس أكثر من تقديمهم كأبطال لرواياتهم المختلقة. على ضفاف هذه الحياة، ستجد أذنا مصغية بين مائة أذن صماء، وقلبا ينتظر بوحك أنت لا ثرثرته هو، فاحتفظ بهؤلاء، فهم الذين يجعلون الكلام ذا قيمة، والحوار منارة، والحياة جديرة بأن تحكى. أما "الطرمان"، فدعهم في مسرحهم الوهمي، يدورون في حلقة مفرغة، يصيحون في صحراء، ويظنون أن العالم كله جمهور لهم.