أشعر بغصّة في القلب حين أرى فتى غضّ العود لم يكد يبلغ الرابعة عشرة وقد حُمّل أعباء الكبار قبل أوانه، ودُفع إلى زحمة المهن الشاقة، يئِطّ بأثقال لا ينبغي لمن هو في عمره أن يحملها، ويقاسي أعباء كان الأجدر تأجيلها عنه أعواما قليلة. أراه بين الحديد والزيوت، أو واقفا على أبواب المطاعم، أو يجوب الطرقات ينادي على بضاعة زهيدة، فأحزن لحاله، ثم أغضب على مجتمع رضي أن يسرق من الطفولة كتابها، ومن الصبا مقعده، ومن المستقبل مفاتيحه.
قد يقول قائل: إنما يريد أن يعين أهله، أو أن يخفف عنهم ضنك الحياة -وتلك رجولة لا ينكرها أحد-، لكن النية الحسنة لا تجعل الطريق الخاطئ صوابا. فترك الدراسة في مثل هذا العمر ليس قرار يوم أو شهر، بل هو باب يفضي إلى شقاء مدى الحياة.
لأن من يشتري رزقه بعضلاته وحدها سيظل رهين صحته البدنية وقدرته على الحركة، فإذا ضعفت الحركة تضاءل عطاؤه، وبالتبعية تضاءل تحصيله. قد يكون الأجر المتأتي بجهد المرء وقوته أكثر بركة، ما دام صاحبه قد اختاره بعد وعي وخبرة، ولكن الخطر أن يُحرَم فتى من العلم مبكرا، فيبقى عمره كله محصورا في أبواب ضيقة لا تكاد تتسع لطموح ولا لكرامة. يصير حمّالا حينا، ومساعدا حينا، وتابعا لغيره حينا، يناول هذا مفكّا، ويحمل السلّم لذاك، ويظل ينتظر من يأمره لينال قوت يومه. أما العلم -يا ولدي- فهو المهنة التي تكبر مع صاحبها ولا تصغر، وتشتد معه ولا تضمحل. من يحمل شهادة أو صنعة قائمة على الفهم والمعرفة، يعمل بعقله قبل يده، يجلس فيرسم مخططا، أو يضع تصميما، أو يحل مسألة، أو يدير مشروعا، أو يعلّم غيره ما تعلّم هو. فإذا شاب شعره، بقي عقله قادرا على العطاء، وإذا هدّ تعب السنين بدنه، بقي العلم ركنا يأوي إليه متى شاء.
اعلم يا بني أن عقل المرء يكبر بالمعرفة، بينما تذبل قوّته مع تقدم العمر. والإنسان الذي يستثمر في عقله يشتري ضمانا لنفسه من صنيع الزمن ووهن العضلات. فلا تنخدع برحلة قد تبدو ممتعة في بداياتها، ثم يطول وعثاؤها. اصبر على الدراسة، وإن طالت عليك ساعاتها، فإن تعب المقعد اليوم أهون من شقاء العمر غدا. ومن احتمل حرارة العلم قليلا، استظل بظله مدى الحياة.