يا ولدي، حينما تدخل البيت وتسمع الضجيج، املأ روحك وقلبك واغرف من المشهد ما استطعت، واحفظه في فؤادك. فلن تعرف ما حييت أرقّ وأحنّ من تلك التي تحضّر المائدة، وهذه التي تغسل الأواني، وذاك النائم على الأريكة، وأمك التي تصلي في الصالة، وجدّك الذي يقرأ القرآن في الركن البعيد. ستظن لوهلة أن مشهدا رائعا كهذا سيمتد إلى الأبد، لكن الحقيقة الثابتة أن ما تراه من نعيم لن يستمر. فما هي إلا بضع أعوام -أو أقل أو أكثر بقليل- ولا يبقى منه سوى ما تستدعيه الذاكرة ويقرّبه الخيال. الزمان والمكان شيئان مختلفان لا تربطهما صداقة أو عهد أو ميثاق.، بل إن الغلبة دوما تقف مع الزمان. فالزمان لا يقهر، بينما المكان زائل لا محالة. وهو كالبشر يولد بشكل مفاجئ،

فيصير فتى يافعا ثم شابا وسيما ثم يهرم ثم يموت. فالذي حسبته مشهدا أبديا سيتبخر تماما في مدة أقصاها عشر أعوام، أو قل عشرين عاما على أحسن حال. حتى إخوانك؛ منهم من سيغترب فلن تراه أكثر من أسبوع كل عام، ومنهم من سينغمس كليا في حياته حتى تكاد تنسى ملامحه، وتلك ستتزوج وتسكن دارا أخرى، ويكون لها أسرتها، فلا تعود تحضنك إلا بالأعياد، ويخلو المشهد من كل العنفوان والحركة التي مررت بها يوما وحسبت أنها أزلية. أما ما بعد الأم، فكل محاولات الاجتماع تبوء بالفشل، ثم في نهاية المطاف تستسلم للشتات، فتمر ببيتكم القديم، فترى أبوابه مؤصدة، وأضواءه مطفأة، وشبابيكه حزينة، وأركانه تعلوها الغبرة، فاملأ دلاءك من ذلك البئر قبل أن يغزوه الزمان، فيصير جبا في قعره ماء قليل لا يروي ظمأ السيارة.