يا أبنائي، أكتب إليكم لا لأعلمكم، بل لأخفف عن قلبي ثقل الأسئلة. أحزن كثيرا حين أتأمل حالكم، فأنتم جيل لم يتعرف إلى العالم إلا من شقوق الخوف، ولم يسمع الأخبار إلا وأصوات القصف تصاحبها، أو أخبار الموت تملؤها. كأن الحرب -دون أن تستأذن- تسللت إلى تفاصيلكم الصغيرة، وصارت جزءا من مفرداتكم اليومية، من لغتكم، ومن نظرتكم للحياة. يا أبنائي، لم يكن هذا ما تمنيناه لكم. كنا نرجو أن تكون أيامكم ممتدة بالطمأنينة، وأن تكبروا وأنتم تحفظون أسماء الزهور لا أسماء الأسلحة، وأن تتعلموا معنى الطريق لا معنى الهروب. كنا نريد لكم حياة تُعاش، لا كوابيس متوالية. نصحو يوما على هدم، وفي اليوم الذي يليه على فوضىف واضطرابات لا تنتهي. تتشابه الأيام في وجعها، حتى يكاد الحزن يصبح عادة، والخوف رفيقا لا يغادر. وما يؤلمني أكثر: أن يعتاد الإنسان ما لا يجب أن يُعتاد.

لا أخاف أن تمر بكم الحرب كعابر سبيل، بل خوفي أن تسكنكم، أن تُعيد تشكيل قلوبكم بصمت، فتجعل القسوة مألوفة، والخذلان أمرا عاديا. أخاف أن تترسخ لديكم قناعة أن هذا هو شكل العالم، وأن لا شيء يمكن أن يكون أجمل أو أهدأ. يا أبنائي، قد يكون هذا العالم قاسيا، والأشد أسفا أن منطقتنا قد كُتب عليها أن تختبر من الشقاء ما لم تختبره أماكن أخرى، وكأنها بركان لا يراد له أن يخمد. لكن ذلك لا يعني أن نستسلم للفكرة. لا تسمحوا لكل هذه الفوضى أن تسرق قدرتكم على الحلم، ولا تدعوا صور الدمار تمحو من داخلكم صورة الحياة كما يجب أن تكون. تذكروا دائما أن ما نعيشه ليس قدرا نهائيا، بل مرحلة، مهما طالت. وأن الإنسان -رغم كل شيء- خُلِق ليبحث عن النور، لا ليعتاد العتمة. فإن عجزنا نحن عن تغيير العالم كما يجب، فلا تعترفوا بعجزنا إرثا لكم. كونوا أنتم المعنى الذي افتقدناه، والهدوء الذي لم نجده، والسلام الذي تأخر كثيرا. سامحونا، لأننا لم نفلح بمنحكم عالما يليق ببراءتكم.