في بداية عمر الإنسان تزحف أيامه ببطء عجيب، وما أكثر الليالي التي يقضيها وقتئذ يكتسب المناعة اللازمة لعبور هذه الحياة، وهي أكثر عددا من الليالي التي تمر بلا زكام أو حرارة وأوجاع. ثم يخاطر الصغير بخطوتين مترددتين، فيظل يتعثر شهورا حتى يتعلم المشي. يقع فتهوي قلوب والديه قبل أن تدركه أيديهما. يغفلان عنه لحظة فإذا به يدس مسمارا بقابس الكهرباء، أو يحاول إيقاف المروحة بأصابعه الصغيرة، فلا ينفك عن مداعبة الأخطار بفضوله وبراءته. وكلما أصابته وعكة أو ألم نام أبواه على قلق واستيقظا على خوف. يسهران عليه، يراقبان أنفاسه، يقتسمان معه تعبه ويؤجلان راحتهما وصحتهما وحياتهما فقط لكي يترعرع بخير.
ثم يكبر الصغير ... وفجأة، تبدأ الأيام بالركض وكأنها تراجعت عن بطئها القديم. فمن كان يتعلم الخطوة بالأمس إذ به وقد صار شابا فتيا. يتعطر ويقف أمام المرآة ليوازن هندامه. يخرج للسهر مع رفاقه فيبقى الأب مستيقظا حتى عودته. يريد سيارة فتبدأ الحسابات تتخبط على الورق. يريد جامعة فيبحث الأب عن المال قبل التخصص. ثم يريد بيتا وزواجا فتتسع المسؤوليات وتضيق القدرة، ويظل في عين أبيه وأمه ذلك الطفل الصغير الذي كان يستكشف عالمه باللهو والفضول. أعان الله الآباء والأمهات؛ فما أثقل أن تربي قلبا تحبه أكثر من قلبك، ثم تظل طول عمرك تدعو الله ألا تجتاله الشياطين وألا تكسره الحياة.