يا ولدي، ربما تساءلتَ وأنت فتى صغير: لماذا يجلس أبوك وحده شارد الذهن كل مساء، ولمَ لا يتكلم كثيرا؟ على الأغلب مرّت تلك المشاهدات ببالك مرور الكرام، لكنك ستعاينها حينما يأتي زمان لتستلم الراية، وتصبح لديك أسرة تعني لك الدنيا وما فيها، ويحين دورك في جر العربة. ستدرك ساعتها أن صمته لم يكن برودا ولا حزنا، بل هو ترجمة المسؤولية ولغة التعب وحصاد الأيام التي لم تمنحه حتى ترف الشكوى. وحده هو من يمتلك ذلك النوع من الحب الذي لا يقال. الذي تشعر به لحظة التقاطه للأنفاس. تراه في عيني رجل قدم كل شيء بصمت. ستكتشف أنَّ التشققات في يديه لم تكن مجرد تواقيع الشقاء، بل كانت خرائط لتضحيات لا تُعد. كل ندب فيه حكاية، وقصة صبرٍ لم تُقَل، وما كان شيء يجزيه عن ذلك أكثر من أن يلمح العرفان في عينيك.
هو الذي يطيح ألف مرة كي تظلّ قائما. تحسبه أقوى أقوياء هذا العالم، لكن ما خطر ببالك مرة كم نزالا خاض كي لا يراك ضعيفا. حينما يأتي اليوم الذي تُمسك فيه بيد طفلك كما كان يمسك هو بيدك، ستفهم صمته للمرة الأولى، وستدرك أن بعض الحب لا يُعلِن عن نفسه، بل ينساب كالنهر الهادئ المعطاء، يروي كل شيء حوله دون صخب ولا ضجيج. حضّر نفسك، فما هي إلا بضع سنين، وسترث صمته، وتقلّد تضحياته، وتصنع كل ما لم يقله.