يا ولدي، سأخبرك -في عجالة- عما يجلب الحزن للمرء، ليس ولعا بالشكوى -كحال أغلب الناس- ولا لتعاسة يتلذذ البعض في تقمصها، ولكن لكي تتفادى ما وقع فيه أبوك من قبل.
أنت تعيش في عالم يغص بالنفاق، حيث يترقب المحيطون بك عثراتك وفشلك، وابتساماتهم تملأ أشداقهم، لكن يلزمك التركيز قليلا لكي تراها.
يؤذيهم سلام قلبك بشكل حارق، وتزعجهم ثقتك بنفسك لدرجة غير مفهومة، مما يدفعهم لمجاملتك بالترحيب الحار رغم مشاعرهم المهزوزة تجاهك. بل قد تصل فيهم الوقاحة لدرجة يقولون لك إنهم "يحبوك"، وهم يعرفون أنك تعلم أنهم يكذبون.
لو عادت بي الأعوام ما بدلت اختياراتي، ولا اخترت طريقا آخر غير الذي سلكته، باستثناء أنني سأفتح عيوني أكثر قليلا، وكنت سأعتني أكثر بالفواصل والنقاط في محيط علاقاتي. فليس ثمة شيء يشعرني بالندم أكثر من أنني سمحت للبعض باستغلالي من خلال تماهي كلامي مع نواياي، ومن حيث اتساق نواياي مع سذاجتي. تعلمت أن إصلاح ما لم أكسره فضيلة وليس واجبا محتوما علي. خشيت دوما خسارة الآخرين حتى تعلمت أن العيش بمعاييرهم لن يصل بي -أبدا- لما أملت أن أكون. الحياة قصيرة جدا، ولو بدت غير ذلك، فعشها على طريقة المحاسبين في ضبط الحسابات، وعاملها كدفتر اليومية الذي يتوازن آخر النهار، وكميزان المراجعة الذي يُعَدّ كل شهر، لتعرف أنك على المسار الصحيح، أو أنه يلزمك إجراء بعض التسويات هنا وهناك، ثم اتل على نفسك تقرير الأرباح والخسائر كل عام.
المهم أن تبحث عما يجلب لك الرضا والسكينة، ويصنع لديك ما أمكن من السرور، لذا استمتع بيومك ما استطعت، وابتسم كلما وجدت شيئا جميلا، وابكِ حينما يحتاج قلبك شيئا من وضوء، ولا تسمح لأحد أن يشوه الطفل الذي يسكن ثنايا روحك وقلبك ووجدانك، وأجعل كرامتك نصب عينيك، وإياك أن تخسرها مقابل أي شيء. سيمضي بك العمر يا ولدي وستكبر، وسيتناقص المحيطون بك شيئا فشيئا، سواء برحيلهم أو بارتفاع أسوار معاييرك التي تشيدها لضمان طمأنينتك. ولن تعود خسارة أي أحد مسألة ذات قيمة، ما دمت لم تخسر ذاتك.