يا ولدي، ثمة أناس بينهم وبين "الدعابة" خصومة لدودة، فما سمعوا أو قرأوا يوما أن الأنبياء كانوا يمازحون أصحابهم وحواريهم لأنهم في نهاية المطاف آدميون بشر. حتى الذاهبون إلى حرب يتمازحون، وهم لا يدرون من سيعود منهم ومن سيموت. المتأهبون المتربصون لا يعرفون التصالح، وما نالوا حظا من الرعاية السليمة. ضعفاء مهزوزون مثقلون بالعبوس. يقظون كمنصات رادار حربي، يرصدون كل جسم عابر، فينزلونه منزلة المعتدي، ويحلّلون كل كلمة بالريبة والحذر، فيتعاملون معها بمبدأ الدفاع عن النفس. يحسبون أن الدعابة سخف لا داعي له، بل ربما يخشون أن تقصِّر من آجالهم. سوداويون بائسون، أرواحهم مملة.

لا يعنيهم ما بذله أصحاب الدعابة الذكية -الخالية من الإسفاف والبعيدة عن الفحش- حتى وصلوا للحنكة والمهارة اللازمة لإتقان فن كسر الحواجز وكسب القلوب. حينما يمر في حياتك أحد هؤلاء، إليك ما سيحصل بينكما، لكي تعلم اعتبارا من هذه اللحظة أين تكمن المشكلة وما هو حلها: ستظنه صديقا كباقي الأصدقاء، وتأتي لحظة تمازحه بكلمة، فتتفاجأ من ردة فعله المبالغة، وجوابه اليابس ردا على دعابتك، فاعلم ساعتها أن هذا يتربص عثرات الآخرين، لكي ينتزع منهم الإقرار بالذنب والاعتذار. حسنا، إليك الحل: أخطأتَ فاعتذر له علنا، فهذا أقل الواجب. ثم بالغ بالاعتذار حتى ينتفخ، وانظره يقبل اعتذارك بتأفف ومِنّة، وعلى وجهه ملامح الانتصار، ولو كان صديقك حقا لأعفى ماء وجهك. ثم، -احتراما لنفسك وصيانة لكرامتك- اشدد متاعك وارحل بلا عودة، واطرح ثقتك في صداقته في سلة المهملات.